تسوية سطح الرقاقة بتقنية نفث الحبر: حلٌّ مجهري لمشكلةٍ كبيرة في تصنيع الرقائق الإلكترونية

5 دقائق
مجموعة من رقائق السيليكون المكدّسة بألوان مختلفة تمسك بها يد مرتدية قفازًا.

بوجه عام، يميل معظمنا إلى التركيز على الصورة الكبرى. يشقّ كل تطور تقني كبير (وقد شهدنا الكثير منها مؤخرًا) طريقه إلى خلاصات وسائل التواصل الاجتماعي وإلى أحاديثنا اليومية. لكنها لا تأتي بمحض الصدفة، بل هي ثمرة جهود طويلة، وهذا ما نتمتع فيه بخبرة كبيرة. لأن فريقنا من العلماء الروّاد، الذي يعمل بهدوء خلف الكواليس، ينشغل بحلّ مشكلات لا يدرك معظم الناس حتى وجودها، لكنها قد تغيّر مسار التكنولوجيا جذريًا.

هل تصدّق أننا نعمل منذ أكثر من نصف قرن في تصميم وتصنيع وبيع الآلات التي تُنتج العقول التي تقوم عليها أجهزتنا الإلكترونية؟ لذا، نتمتع بخبرة واسعة في مجال رقائق أشباه الموصلات. مؤخرًا، خطونا خطوة مهمة نحو حلّ مشكلةٍ كبيرة رغم صغر حجمها: كيف يمكن تبسيط إنتاج رقائق الحاسوب القوية التي يحتاج إليها عصر الذكاء الاصطناعي؟

ولا بد أن تصبح هذه الرقائق أكثر قوةً لتواكب المستوى المتزايد من القدرة الحاسوبية التي يتطلبها عالمنا. إذا كانت لديك معرفة أساسية برقائق الحاسوب، فستدرك أن هذا يشير إلى "قانون مور" الشهير، الذي ينص على أن "عدد الترانزستورات على الشريحة الدقيقة يتضاعف تقريبًا كل عامين، في حين تنخفض تكلفة القدرة الحاسوبية." ورغم أن استمرار انطباق هذا القانون اليوم محل نقاش، فإن الحقيقة تبقى أن الحاجة كانت ملحّة إلى إيجاد نهج جديد لزيادة قدرة الرقاقة دون التأثير في حجمها أو تكلفتها أو سرعة تصنيعها. ولمعالجة هذا التحدي، ابتكر علماؤنا تقنية تُعد الأولى من نوعها عالميًا. وهذه التقنية، وبصراحة، تُعدّ نقلةً نوعية، كما أنها بالغة التعقيد، لذا تستحق قليلاً من الشرح.

مجموعة من ستة مخططات توضح عملية التسوية التكيفية للرقاقة القائمة على نفث الحبر.

مدينة صغيرة مليئة بالنتوءات

في الوقت الحالي، تُصنع رقائق أشباه الموصلات باستخدام إحدى عمليتين مختلفتين: إما الطباعة الضوئية، وهي الطريقة التقليدية، التي تستخدم الضوء لرسم أنماط الدوائر الإلكترونية البالغة الدقة على رقاقة من السيليكون. أو الطباعة بالبصمة النانوية، وهي تقنية ناشئة من Canon تُطبع فيها أنماط الدوائر بدقة فائقة (وتخيّلها أشبه قليلاً بجهاز وافل متناهي الصغر!). وهنا تبدأ المشكلات.

أصبحت الرقائق أكثر قدرةً بفضل احتوائها على مليارات الترانزستورات المتناهية الصغر، وهو ما يعني، كما يمكنك أن تتخيل، ازدحامًا شديدًا، مما يجعل سطحها غير مستوٍ. وتُعد هذه مشكلةً كبيرة، لأنه في رقاقة متناهية الصغر على نحوٍ يصعب تصوّره، يمكن حتى لأصغر نتوء مجهري أن يُحدث الأثر نفسه الذي تُحدثه حفرةٌ كبيرة في الطريق. ولذلك، عندما يحين طباعة الطبقة التالية من الدوائر فوقها، تصبح عملية الطباعة أكثر صعوبة بسبب عدم استواء السطح.

ولأن الرقائق الحديثة قد تتكون من عشرات من هذه الطبقات المتراكبة فوق بعضها بعضًا، فقد جرى حتى الآن التعامل مع هذه المشكلة باستخدام تقنيات مثل الطلاء بالدوران (إضافة مادة سائلة تُكوِّن طبقة رقيقة على السطح، ثم تدوير الرقاقة لتوزيعها بالتساوي في صورة غشاء رقيق)، والصقل الكيميائي الميكانيكي (تسوية سطح الرقاقة وصقله بشكل متكرر قبل إضافة الطبقة التالية). لكن مع استمرار تصغير جميع المكوّنات التي تتألف منها الرقاقة، مثل الترانزستورات والمفاتيح ومسارات التوصيل النحاسية، لم تعد هذه التقنيات توفر مستوى الدقة المطلوب.

حلّ المشكلة بالاستفادة من خبراتنا في تقنية نفث الحبر

نعم، لم تخطئ في القراءة؛ إنها بالفعل تقنية نفث الحبر. وليس من المستغرب أن نمتلك خبرةً استثنائية في هذا المجال، وببساطة، نجحنا في تكييف التقنية نفسها التي تنفث الحبر على الورق بدقة وجمال لملء سطح الرقاقة على نحوٍٍ مثالي. وإليك كيفية عملها:

المسح: تُنشأ أولاً خريطة لسطح رقاقة السيليكون، لرصد الارتفاعات والانخفاضات فيه بدقة متناهية.

النفث والملء: بعد ذلك، وباستخدام فوهات نفث الحبر المطوّرة بتقنيات Canon الخاصة، يحدّد الجهاز بدقة الكمية المطلوبة من سائل خاص لملء المناطق المنخفضة، أو ما يمكن تشبيهه بالحفر المجهرية.

الضغط: أخيرًا، يُضغط بلوحٍ مستوٍ فوق السائل حتى تمتلئ جميع الفجوات بالكامل. بعد ذلك، يتحوّل السائل إلى راتنج صلب باستخدام الأشعة فوق البنفسجية.

وعند رفع اللوح، يصبح سطح الرقاقة مستويًا تمامًا. في الواقع، لا يعبّر هذا الوصف على نحوٍ وافٍ عن المستوى الاستثنائي من استواء السطح الذي تحققه هذه التقنية، وهي التسوية التكيفية القائمة على نفث الحبر. وأقصى تفاوت في ارتفاع سطح الرقاقة هو أقل من 5 نانومترات. وعندما تعلم أن سُمك شعرة الإنسان يتراوح بين 80,000 و100,000 نانومتر، ستدرك مدى الاستواء الاستثنائي الذي يحققه هذا السطح.

لكن، نعم، قد لا يكون من السهل تصوّر مدى صِغر النانومترات، لذا دعونا نوضّح الأمر بطريقة أخرى. تخيّل أكثر الأسطح نعومةً التي يمكنك أن تتصورها، ولتكن شاشة هاتفك مثلاً، ثم تخيّل أنها أصبحت بعرض عشرة أميال، بحيث يمكنك السير فوقها. ستكتشف أن هذا السطح، عند هذا المقياس، مليء في الواقع بمرتفعات ومنخفضات تبدو بارتفاع المنازل وعمق الأنهار (أما في الواقع، فلا يمكن رؤية هذه التفاصيل إلا باستخدام مجهر فائق القدرة). والآن، لو طبّقنا هذه التقنية الجديدة، فملأنا المنخفضات ثم سوّينا السطح بالكامل باستخدام لوحٍ كبير، فلن يتجاوز أكبر نتوء متبقٍّ سُمك بطاقة ائتمان.

... ببساطة، نجحنا في تكييف التقنية نفسها التي تنفث الحبر على الورق بدقة وجمال لملء سطح الرقاقة على نحوٍ مثالي."

استواء مثالي، وطبقات متراكبة بإحكام، وريادة تدفع حدود الابتكار

ومن خلال إزالة هذه النتوءات إلى هذا المستوى الاستثنائي، حقق علماؤنا إنجازًا نوعيًا يتيح لمصنّعي الرقائق تكديس عدد متزايد من طبقات الدوائر فوق بعضها بعضًا، لتصميم بنى ثلاثية الأبعاد أكثر تطورًا من أي وقت مضى، من دون زيادة عرض الرقاقة، بحيث تظل مناسبة للأجهزة التي نستخدمها ونحبها. وهذا يسهل الطريق للقيام بذلك بشكل أسرع وبتكلفة أقل.

وهكذا، فبينما تتصدر المشهد الإنجازات الكبرى: مثل المعالجات فائقة الأداء المخصصة للذكاء الاصطناعي والهواتف والحواسيب الفائقة المصممة للمستقبل، فإن أيًا منها ما كان ليرى النور لولا الاهتمام الدقيق بالتفاصيل المجهرية. نؤمن بأهمية مواصلة تطوير خبراتنا واستكشاف سبل جديدة لتسخيرها في حلّ التحديات الخفية الكامنة وراء أكثر البنى التحتية التقنية تعقيدًا في العالم. ونتيجةً لذلك، كثيرًا ما نكون القوة الخفية التي تقف وراء بعض من أكثر التقنيات تقدمًا التي ستستخدمها كل يوم.

في الواقع، يمكنك القول إننا نمهد الطريق نحو المستقبل.

ذات صلة